عناوين الأخبار

إنما يؤلمني جرح الوطن

فكرية شحرة
فكرية شحرة
2019/08/07 الساعة 03:40 مساءً

واقف بينهم دون ثبات رغم إسناد جسده بساقين خشبيتين تتكئ عليهما إبطاه المتعرقة؛ الحرج لمنظره الرث المتسخ يجعل جسده ينزف عرقا رغم وجود المكيف .
 

واقف بينهم بأربع سيقان وخيبة كبيرة .

جريح لكن جراح كبريائه أشد وجعا أمام ربطات العنق الملونة والقمصان المكوية التي تتقاذف عرجه من مكتب إلى آخر في مبنى القنصلية .
 

يتقلص جسده أمام الفتيات الأنيقات اللاتي يصدف مرورهن من حوله كأضواء كاشفة؛ لتخترق نظراتهن جسده المرتعش ككائن لا مرئي ..

كيف يمكن أن تستقر نظراتهن على مخلوق بائس مثله .
 

الثوب الذي يرتديه قد حال لونه؛ وارتسمت عليه بقع كأنها ابتسامات ساخرة؛ تبرز منه قدمه المصابة كرأس حيوان متعفن؛ جسده اللدن الذي نسي متى آخر مرة اغتسل فيها منذ إصابته .
 

لم تكن ملامحه المرهقة ونظراته المعذبة في سحنته السمراء سوى مكمل لإطار صورة للشقاء. 
 

اغمضت عيني عن النظر إليه بألم ..

كلنا جرحى ..وجراح الروح لا تشكى .

هذه الحياة التي نعيشها ونتصارع فيها ليست سوى الظاهر من وجودنا المغروز في الحياة .
 

ما خفي من تداعيات حياتنا ومشاعرنا المدفونة في أعماقنا أكبر بكثير مما يظهر ..

إنه يجعلنا أكثر ثباتا كالجبال أمام أعاصير الحياة  .

يكسرنا الاهمال ممن نتوقع منهم الرعاية في أوقات الشدة والتعب؛ لكنه انكسار للشعور فقط؛ نستقيم بعده أكثر صلابة وعناد .

جراحه مضاعفة فقد ضحى بروحه المهمشة وجسده المتآكل من أجل أن يبقى هؤلاء على مكاتبهم تتدلى ربطات أعناقهم كذيول الكلاب من رقابهم .

أليس موجعا أن يقيّم روحك المهشمة هؤلاء الزائفون الذين لا يعرفون قيمة هذه الروح ؟!!
 

يرونك ضئيلا في انتفاخ زيفهم؛ يتجاوزونك أنت الذي تشبثت بالخيط الذي يفصل الحياة عن الموت .

ثم يأتي عليك يوما تقف على أبوابهم تتسول تلك الحياة التي استمدوها من تضحيتك .
 

وتخشى كثيرا أن تسقط من عيونهم لأنك ظهرت بكامل عريك من الزيف وبحقيقتك المرة؛

لتفقأ أعينهم التي لا تخجل حين تقيّم سقوطك أو ارتفاعك وهم الساقطون .