البيضاء.. بين المناشدة والثبات!

د. محمد شداد
د. محمد شداد
2020/05/10 الساعة 05:00 مساءً

من أقبح العيوب عند العرب قديمهم وحديثهم هو عيب خذلان المظلوم والتخلي عنه عند الشدائد، يُعربدُ الشيطان بالمتخاذل أكثر من المفتون بالمال أو صاحب الشهوات. وإذا ما اجتمعت معايب التخاذل والمال وفواحش الشهوات، تلقي بصاحبها في درك شقاء التحلل من كل المبادئ والقيم ليصبح كهفاً عميقاً تسكنه الرزايا والشرور!

تتساءل محافظة البيضاء اليوم لماذا تتركوني وحيدةً أصارع الطغاة؟! البيضاء الاسم الناصع في تاريخ الكفاح الوطني والتمرد على الظلم ونصرة كل قضايا الوطن العادلة، وما انفك سجل الشيخ الشهيد أحمد عبدربه العواضي وأقرانه يزهو ثائراً وشاعراً ورمزاً للنضال حتى اليوم.

تناشد البيضاء كل أقيال اليمن للهبة الشعبية لا لعجز منها إذا ما قوبلت بما يكافئها من قوة وبدون حشد لأبناء القبائل المقهورين من أقاصي الشمال حتى نهاية سلسلة الجبال، وحشد سلاح الدولة المنتهب والذي اشتُري من أقواتهم وضرائبهم وعلى حساب بُناهم التحتية لقتلهم وقهرهم، بل هي حزينة على الذين خابت حساباتهم في تقدير الموازين الاستراتيجية في حرب اليمن حتى ارتكسوا وفاتهم شرف الدفاع عن كرامة الأمة والعرض المتجسد في دماء "جهاد الأصبحي".

صرخةٌ أطلقتها بنت الأصبحي في واد نيابة عن المقهورين في كل واد، لماذا قتلوني؟ ولماذا كل هذه القسوة من ابناء جلدتنا الذين رضعوا خيرات أرضهم وتقلبوا في نعيمها وعز عطاها، ثم انقلبوا يرقصون على رُفاتها وجراح أهلها! ويحرقون موطنهم الذي شُيد فيه أول معبداً للشمس وكان أول موطناً للحياة بعد الطوفان، رغم دوي قصيدة الزبيري مخاطباً شعبه البائس.

نبني لك الشرفَ العالي فتهدِمُه***ونَسْحَقُ الصَّنَمَ الطاغي فتبْنيهِ
نَقْضي على خصمكَ الأفعى فتبعثُهُ***حيّاً ونُشْعُلُ مصباحاً فتُطْفِيهِ
قَضَيْتَ عُمْرَكَ ملدوغاً، وهأنذا***أرى بحضنكَ ثُعباناً تُربّيهِ

عتابعاً قاسياً وكأن آذان الشعب صُمت عن سماعه وفقدوا البوصلة الدالة في قفار الشهوة والسلطة، وباتوا دماً يحركهم دعاة الفتنة، وينامون في أحضان الأفاعي! وإذا ما سلموا أنفسهم لمدارك اليأس والقنوط، سيسقطون عندها وسيكون السقوط مُريعاً، وسيحل الفراغ والجشع والأنانية وحب الذات وهيمنة الشهوات.

حينها سيدرك القاصي والداني أن الصير في الشدائد ساعة، وعواقب الذل والهُون والاستحقار مليون ساعة، وللحربة أثمان تُسقَّى شجرتها بالعرق جد قول رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشرشل بطل بريطانيا في الحرب العالمية الثانية " الوطن شجرةٌ طيبة لا تنموا إلا في تربة التضحيات وتسقَّى بالعرق والدم" فالوطن يا أقيال اليمن لا ينتهي وإنما يتجدد ولا يجف ماؤه أو تشح سماؤه مهما بلغ الجدب به مبلغه.

ولابد أن يستقيم الأمر فاليمن تسري في أرواح الملايين من ابنائها المخلصين حباً ولن يتركوها في آخر المطاف نهباً حتى وإن غادروا أرضهم وبعدت بهم الشُقة وقست عليهم الظروف، وقذفت بهم الرزايا وراء البحار وستضل هي أول القضية ومنتهاها وستبقى هي القصة والقصيدة، نغماً ايوبياً خالداً ونشيداً فضولياً ولحن يردد.

"أيها السائل عني، يمني شعري وفني.. فاطربي بلقيس في الأجداث.. يا أروى وغني"

ومهما ادلهمت الخطوب باليمن وأقيالها إلا أنه كما اصطفي الله كما اصطفي الله من الأمم رسل كي تنجو بها، ومن الأقوام أنبياء كي ترشدها، ومن الشعوب رجال كي تحمل همها وتضحي في سبيل عزها سيصطفي منهم من يوحدهم ويحدوهم ويحرك قواهم من جديد.

وعليه فلا ركون إلى متخاذل أو مُخذل أو خَئُون لأنه ليس أهلاً لحمل الهم الوطني والتضحية والاصطفاء.

ولا قلق على البيضاء، فهي تصنع المجد كعادتها، بل القلق والحزن على من فاته شرف الذود عن حياض الوطن وتنكر لأهداف الثورة والجمهورية.

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص