في تذكّر وحدة اليمن السياسية الحديثة !

نبيل البكيري
نبيل البكيري
2020/05/25 الساعة 05:12 صباحاً

تمرّ علينا هذه الأيام الذكرى الثلاثون لإعلان ميلاد الجمهورية اليمنية، في 22 مايو/ أيار 1990، باتحاد الجمهورية العربية اليمنية شمالاً، وجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية جنوباً. تمرّ واليمن يشهد حالة من التشظي والاقتتال الذي ربما لم تشهد مثله اليمن من قبل، فالجمهورية اليمنية، التي أعلن عنها هوية سياسية لليمن الحديث، قبل ثلاثة عقود، وهي معترف بها دولياً، لكنها لا تزال مهددة بالسقوط بفعل خيانة الأشقاء قبل الأعداء.
عاشت اليمن، تاريخياً، موحدة الهوية القومية والحضارية قروناً، عمرها الحضاري، بحسب الباحث والمؤرخ اليمني محمد حسين الفرح، ما يقارب تسعة ألف سنة، وأول دولة شهدتها الجزيرة العربية كانت في جنوبها، أي في اليمن، حيث قامت فيه عدة دول يمنية، كالدولة المعينية والسبئية والحميرية والحضرمية والقتبانية، وكلها دول شكلت جميعها هويات سياسية لليمن في مراحل مختلفة من التاريخ القديم.
أما مسألة الانفصال في تاريخ اليمن، فهي حديثة نسبياً، فقد كانت أول محاولة لتقسيم البلد عام 1914 على إثر صراع بريطاني عثماني في اليمن، انتهى بتوقيع اتفاقية ترسيم حدود النفوذ بين الطرفين في 24 فبراير/ شباط من ذلك العام، بين كل من السير البريطاني إدوارد ديجري، والعثماني إبراهيم حقت باشا، وكانت هذه أول محاولة في التاريخ لتقسيم اليمن سياسياً 
الفترة (1967 - 1990) كانت هي بالفعل الفترة الأكثر سوداوية في تاريخ الانقسام السياسي اليمني بين شمال وجنوب، ولكنها ظلت اتفاقيةً لا معنى لها، باعتبار أن الطرفين خارجيان، ولا علاقة لليمنيين بهذا التقسيم، فظلت الحدود مفتوحةً، وظل اليمنيون يتعاطون مع تلك الاتفاقية كأنها لم تكن وغير معترف بها منهم.
لكن الكارثة الكبيرة حصلت مع خروج العثمانيين من اليمن عام 1919، على إثر هزيمة الأتراك والألمان في الحرب العالمية الأولى، وكانت آخر هزيمة للأتراك في معركة لحج أمام البريطانيين الذين ضغطوا على الأتراك، لإجبار ولاتهم شمال اليمن بالتسليم السياسي لإمامة بيت حميد الدين الذين سعوا، بعد ذلك، إلى ردّ الجميل للبريطانيين بتوقيع اتفاقية 11 فبراير/ شباط 1934، وسُميت اتفاقية الصداقة بين المملكة المتوكلية وبريطانيا، وكانت بمثابة اعتراف سلطة الإمامة في الاتفاقية السابقة بين الأتراك والبريطانيين عام 1914، التي بموجبها جرى ترسيم الحدود بين شطري اليمن.
على الرغم من ذلك، ظلّت اليمن موحدة الهوية والآمال والآلام، وهذا ما أكّدته في بداية التأسيس الأولى للحركة الوطنية اليمنية الحديثة التي قامت على عاتقها بتفجير ثورتي 26 سبتمبر في عام 1962 شمالاً وثورة 14 أكتوبر في 1963 جنوباً، ومن قاموا بهذه الثورة كلهم نخبة نضالية يمنية موحّدة خرجوا من رحم الحركة الطلابية اليمنية الموحدة التي عقدت أول مؤتمراتها الطلابية الموحدة في القاهرة، عام 1956، والتي طرحت فكرة الوحدة اليمنية أول أهدافها، والقضاء على الإمامة شمالاً، وطرد الاستعمار البريطاني جنوباً.
ومع تفجر ثورة 26 سبتمبر شمالاً ضد الإمامة وإسقاطها، التي كانت عدن أهم محاضنها،
كذلك كان الحال مع ثورة الـ 14 أكتوبر التي كانت تعز مقرّها ومنطلقها، وهكذا تبادلت الجغرافيا اليمنية الأدوار في النضال، وكذلك النخب الثورية، حيث كانت الثورة اليمنية شمالاً وجنوباً دليلاً وافياً على واحدية الوطن والقضية والتحرير، فكان قحطان الشعبي أول رئيس لجمهورية اليمن الديمقراطية الشعبية عشية 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 1967، كان قبلها مستشاراً أول لرئيس الجمهورية العربية اليمنية لشؤون الجنوب اليمني المحتل، وكان بعد ذلك الرئيس عبد الفتاح إسماعيل ثالث رئيس لجنوب اليمن بعد الاستقلال، وهو المنحدر من الشمال.
يؤكد كل هذا التاريخ السياسي المشترك حقيقة واحدية الهوية اليمنية التاريخية مع فترات انتكاسة سياسية بفعل الاستعمار، التي لم تستمر إلا فترات قصيرة تاريخياً، على الرغم من كل المحاولات الاستعمارية لتفتيت هذه الهوية واختلاق هوية مصطنعة، كهوية الجنوب العربي التي أطلقتها بريطانيا على عدن عام 1953 لفصل عدن حتى عن المحميات البريطانية التي كان يتشكل منها جنوب اليمن المحتل، والتي تجاوز عددها 21 سلطنة ودويلة ومشيخة مستقلة. ومع ذلك، فشل هذا المشروع فشلاً ذريعاً، لأنه دفع اليمنيين إلى الكفاح المسلح ضد المستعمر  
أول محاولة لتقسيم اليمن كانت عام 1914 على إثر صراع بريطاني عثمانيالبريطاني حتى طرده نهائياً في 30 من نوفمبر/ تشرين الثاني 1967. وفي الفترة بين 1967 وحتى عشية 22 مايو/ أيار 1990، كانت هي بالفعل الفترة الأكثر سوداوية في تاريخ الانقسام السياسي اليمني، لقيام نظامين سياسيين متعارضين ومتناقضين، ماركسياً اشتراكياً جنوباً، ورأسمالياً قبلياً في الشمال، ساهم اثناهما في تشديد القبضة البوليسية على الشعبين، ومنعا كل أشكال التواصل بين أفراد الشعب الواحد، أشدّ مما فعل الاستعمار البريطاني قبلهما.
وهكذا استمرت فترة القطيعة السياسية تلك، ما يقارب 27 سنة، ولكنها انتهت بإعلان فشل النظامين السابقين وقيام الوحدة اليمنية، وإعلان قيام الجمهورية اليمنية على أنقاض جمهورتي الشمال والجنوب اللتين شكلتا أسوأ مرحلة قطيعة سياسية في تاريخ اليمن السياسي، بفعل التوجهات الأيديولوجية للنظامين، وتحولهما إلى أوراق لعب سياسية في معركة الصراع والاستقطاب الدولي حينها. أما اليوم، وفي الذكرى الثلاثين لإعلان هذه الوحدة التي تأتي واليمن تعيش أوضاعاً سياسية وعسكرية استثنائية، يتداخل فيها المحلي والأقليمي والدولي، تفرض هذه الذكرى اليوم على اليمنيين إعادة النظر بالمآلات التي يمكن أن تذهب إليها اليمن في حال استمرار المخطط الإقليمي القديم الجديد والمكشوف حيال الوحدة اليمنية واستمرارها، وهو المخطّط الذي يسعى إلى إعادة مرحلة التقسيم واستجرار كل مآسيها ومعاناتها، بالنظر إلى أن التقسيم لن يتوقف عند حدود ما قبل "22 مايو"، بل سيقود الوضع إلى أبعد من ذلك، دافعاً الجنوب إلى ما قبل "30 نوفمبر"، وهي تقسم الجنوب إلى دويلاته وسلطاناته القديمة، عدا عن تقسيم الشمال دويلاتٍ جديدة فرضتها هذ الحرب الراهنة.
فشل من أداروا الوحدة بصيغتها تلك لا يعني قطعاً فشل الوحدة، بوصفها هدفاً وطنياً نبيلاً وكبيراً. وفشل من أداروا الجمهوريتين شمالاً وجنوباً لا يعني قطعاً فشل الجمهورية بوصفها أرقى نظام سياسي ابتدعه الإنسان، وبالتالي لا يعني فشل الوسائل فشل الغايات الكبيرة، بل إعادة تصحيح الوسائل، والقائمين عليها، للحصول على نتائج أفضل، وهو ما كانت قد تكفلت به ثورة 11 فبراير في عام 2011، لتصحيح مسار تينك الثورتين العظيمتين، وإعادتهما إلى  مسارهما الوطني الصحيح.
الجمهورية والوحدة والديمقراطية في الحالة اليمنية خصوصاً، ربما باتت ثوابت وطنية مقدسة، بالنظر إلى خصوصية الوضع في اليمن، ومدى تحولاته وتعقيداته، ما يتطلب مزيداً من العمل والنضال والجهود، لتثبيت مفهوم الدولة الجمهورية الاتحادية الديمقراطية أولاً كأعظم هدف ضحّى من أجله اليمنيون طويلاً، باعتبار أن الدولة في اليمن لا يمكنها أن تقوم دون هذه الثوابت الثلاثة.
أي سقوط وتواطؤ مع هذا السقوط، ليس تحدياً لليمن فحسب، بل لمحيط اليمن كله، المحاطة بدويلاتٍ ذات هويةٍ سياسيةٍ حديثة جداً، لم تعمد بعد وترسخ جيداً، فيما يعني أن أي تهديدٍ للوحدة اليمنية، هو في الوقت نفسه تهديد وجودي لكل الهويات السياسية الحديثة، في الجزيرة العربية كلها، نظراً إلى التداخل القبلي والمذهبي والجغرافي والتاريخي للمنطقة كلها، وحداثة تجربة الدولة عموماً في هذه المنطقة، وخصوصاً التي لم يتجاوز عمرها السياسي اليوم أربعة عقود.

 

*نقلاً عن العربي الجديد

إضافة تعليق
الأسم
موضوع التعليق
النص